أحمد بن علي القلقشندي

287

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الشام ، فخرج معاوية لملاقاته في موكب عظيم ، فلقيه في طريقه في خفّ ( 1 ) من القوم فلم يشعر به وتعدّاه طالبا له ؛ ثم عرّف ذلك فيما بعد ، فرجع وسلَّم على أمير المؤمنين عمر ، ومشى إلى جانبه ، فلم يلتفت إليه وطال به ذلك ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين ، فالتفت إليه حينئذ ، وقال : أنت صاحب الموكب الآن مع ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ - فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا بأرض يكثر فيها جواسيس العدوّ فأحتاج أن أظهر لهم من أبّهة الملك والسلطان ما يزعهم ( 2 ) ، فإن أمرتني به ، ائتمرت ، وإن نهيتني عنه ، انتهيت - فقال : إن كان ما قلت حقّا ، فإنّه لرأي أديب ، وإن كان غير حق ، فإنه لخدعة أريب ، لا آمرك ولا أنهاك - فقال عبد الرحمن : لحسن يا أمير المؤمنين ، ما صدر به هذا الفتى عما أوردته فيه - فقال : لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشمناه . فلما صارت الخلافة إليه ، زاد في حسن الترتيب وإظهار الأبّهة ، وأخذ الخلفاء بعده في مضاعفة ذلك والاحتفال به حتّى أمست الخلافة في أغي ( 3 ) ما يكون من ترتيب الملك ، وفاقت في ذلك الأكاسرة والقياصرة ، بل اضمحلّ في جانب الخلافة سائر الممالك العظام ، وانطوى في ضمنها ممالك المشارق والمغارب ، خصوصا في أوائل الدولة العباسية في زمن الرشيد ومن والاه . حتّى يحكى أن صاحب عمّوريّة من ملوك الروم كانت عنده شريفة مأسورة في خلافة المعتصم فعذّبها ، فصاحت وامعتصماه ! فقال لها : لا يأتي المعتصم لخلاصك إلا على أبلق ( 4 ) . فبلغ ذلك المعتصم ، فنادى في عسكره بركوب الخيل البلق ، وخرج وفي مقدّمة عسكره أربعة آلاف أبلق ، وأتى عمّوريّة فحاصرها

--> ( 1 ) الخفّ أي الجماعة القليلة ( القاموس : 3 / 140 ) . ( 2 ) أي يردعهم . من وزع يزع فهو وازع . ( 3 ) أي في منتهى الترتيب ؛ وهي مشتقة من لفظ « الغاية » وليس « الغواية » . ( اللسان : 15 / 142 ) . ( 4 ) هو الفرس السبّاق . وهو الأسود والأبيض . ( القاموس : 3 / 222 ) .